حق الوطن والشهادة فى سبيله
الحمد لله رب العالمين ، أرسل رسوله
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله ربه بين يدى الساعة
هاديا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد
فإننا لا نقيم فى أوطاننا ، وإنما
تقيم فينا ، ولا نسكنها وإنما تسكن فينا ، ولا نعلم أبناءنا حبها ، ولم يعلمنا
آباؤنا حبها ، بل إن حبها غريزة وفطرة فطر الله الخلق عليها لتعمر البلدان ، قالت
الحكماء : عمر الله البلدان بحب الأوطان .
وقال ابن الزبير : لو قنع الناس
بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق .
ولولا مامن الله على خلقه بحب
الأوطان لما سكن أهل الغياض والأدغال فى الغمق واللثق ، ولما سكنوا مع البعوض
والهمج ، ولما سكن قطان القلاع فى قلل الجبال ، ولما أقام أهل الأطراف فى المخاوف
والتغرير ، ولالتمس الجميع السكنى فى الواسطة وبيضة العرب وفى دار الأمن
والمنعة .
ترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب ،
والمحلِّ القفر ، والحجر الصلد ، وتستوخم الريف .
وترى الحضرى يولد بأرض وبْقاء ، وقُلة
خصب ، فإذا وقع فى بلاد أريف من بلاده ، وجَناب أخصب من جنابه ، حن إلى وطنه
ومستقره .
روى ابن شهاب الزُّهْرِيّ، قال: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب عَلَى أزواج النَّبِيّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل عَلَى عائشة، رضي اللَّه عنها، فقالت له: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فلم يلبث أن دخل عليه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقال: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟، قال: عهدتها والله قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأعذق إذخرها،
وأسلب ثمامها، وأمشر سلمها، فقال: حسبك يا أصيل، لا تحزنا .
إن وصف أصيل الغفارى لمكة أهاج شوق
النبى r .
وهكذا كل محب يهيج شوقه حينما يذكر
حبيبه ، والنبى r أحب مكة حبا
عظيما ، حتى أنه فى أول بعثته لما أبلغه ورقة بن نوفل أن قومه سيخرجونه ، قال
النبى r متعجبا : أو
مخرجى هم ؟
لا يكاد النبى r يصدق أنه سيأتى عليه اليوم الذى
سيضطر فيه لمغادرة مكة رغما عنه ، وهو الذى أحبها حبا ملأ عليه قلبه ، لم يهدئ من
جزعه إلا إخبار ورقة له بأن هذا هو طريق الأنبياء ، وهذه هى ضريبة النبوة ، يدفعها
كل نبى وكل رسول ( ما جاء نبى بمثل ما جئت به إلا عودى ) .
هنا فقط هدأ النبى r وسكن روعه .
إن تراب الوطن شفاء ، وعقاقيره دواء
.
تعليقات
إرسال تعليق