متى تمرض الروح ؟
لا شئ أثقل على قلبى من أن أجلس مع رجل مزهو بنفسه ، يذهب بها المذاهب ، يرى نفسه أفضل من كل الناس ، وأذكى من كل الناس ، وأعلم من كل الناس ، تراه فى جلسته منتفخا وكأن الحجرة ليس فيها غيره ، وكأن الله لم يخلق سواه ، فإذا جلست معه ترى الكلام يأتى دائما من اتجاه واحد ، فهو المتكلم دائما ، ولا يتكلم عن غيره ، إنما كلامه كله عن نفسه ، فعلت وقلت وفهمت ورأيت ورويت ، وكأنه قد استأجر الحاضرين لسماعه ولدراسة تاريخه ونجاحه وعظمته ومعرفة مواهبه ، وكأن الله لم يخلق سواه ، وكأن الآخرين خلقوا بلا مواهب ، وكأن الله قد خلق سائر الناس ليستمتعوا بمواهبه هو ، وليفتخروا به هو ، وليتعلموا منه هو . لا يترك فرصة لغيره ليذكر شيئا عن نفسه أو غيره . فإذا رأيتنى وقد ضمنى وإياه مجلس قلت : ما أعظم صبرك ، ويالقوة تحملك ، إنك تستحق أن يضرب بك المثال فى الصبر ، كيف صبرت على هذا المجلس الذى لا يستطيع عاقل أن يتحمل لحظة منه ، وطلبت منى أن تصحبنى لتتعلم الصبر على يدى كما كان العرب الأوائل يتعلمون الحلم على يد قيس بن عاصم ، وفى الحقيقة أنا لم أصبر ولم أتصبر ، وإنما هى روحى مازالت فى النزع لكن لم يأت مو...