المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2021

متى تمرض الروح ؟

صورة
 لا شئ أثقل على قلبى من أن أجلس مع رجل مزهو بنفسه ، يذهب بها المذاهب ، يرى نفسه أفضل من كل الناس ، وأذكى من كل الناس ، وأعلم من كل الناس ،  تراه فى جلسته منتفخا وكأن الحجرة ليس فيها غيره ، وكأن الله لم يخلق سواه ، فإذا جلست معه ترى الكلام يأتى دائما من اتجاه واحد ، فهو المتكلم دائما ، ولا يتكلم عن غيره ، إنما كلامه كله عن نفسه ، فعلت وقلت وفهمت ورأيت ورويت ، وكأنه قد استأجر  الحاضرين لسماعه ولدراسة تاريخه ونجاحه وعظمته ومعرفة مواهبه ، وكأن الله لم يخلق سواه ، وكأن الآخرين خلقوا بلا مواهب ، وكأن الله قد خلق سائر الناس ليستمتعوا بمواهبه هو ، وليفتخروا به هو ، وليتعلموا منه هو . لا يترك فرصة لغيره ليذكر شيئا عن نفسه أو غيره . فإذا رأيتنى وقد ضمنى وإياه مجلس قلت : ما أعظم صبرك ، ويالقوة تحملك ، إنك تستحق أن يضرب بك المثال فى الصبر ، كيف صبرت على هذا المجلس الذى لا يستطيع عاقل أن يتحمل لحظة منه ، وطلبت منى أن تصحبنى لتتعلم  الصبر على يدى كما كان العرب الأوائل يتعلمون الحلم على يد قيس بن عاصم ، وفى الحقيقة أنا لم أصبر ولم أتصبر ، وإنما هى روحى مازالت فى النزع لكن لم يأت مو...

عقوق الآباء للأبناء

صورة
 إن الجيل القادم من أبنائنا وقع عليه ظلم عظيم من آبائه دون أن يدرى الآباء عن هذا الظلم شيئا  وهل يظلم الآباء أبناءهم ؟ إن الآباء لو خيروا بين ظلم أنفسهم وظلم أبنائهم لاختاروا أن يظلموا أنفسهم . إن الآباء لا يتعمدون أبدا إيذاء أبنائهم ، كيف وهم أحب إليهم من أنفسهم ، إنهم لا يبصرون الحياة إلا من خلالهم .  ، إذا ضحك الأبناء سعد الآباء إذا أكل الأبناء شبع الآباء إذا سعد الأبناء أنارت الدنيا فى وجوه الآباء فكيف يظلم الآباء أبناءهم ؟ إن كل إنسان متعلم له حظ من الثقافة يحرص على تعليم أبنائه ، وعلى أن ينالوا أعلى الشهادات الجامعية ، وهو لهذا قد فرغ أبناءه تفرغا تاما للتعليم ، فهو فى ليله ونهاره يحثهم على الجد والإجتهاد والمثابرة ، وإذا تكاسلوا أو قصروا يكون الأب لهم بالمرصاد ، يرغبهم تارة ويرهبهم أخرى ، يصور لهم ما ينتظرهم من مستقبل مشرق إن هم اجتهدوا وصبروا تارة  ، فهم يعيشون فى المستقبل بخيالهم ، ويرون ما ينتظرهم من تكريم ونجاح فى مستقبل أيامهم . والآباء يحرصون على ألا ينشغل أبناؤهم بغير العلم ، فلا يدعون لهم فرصة سانحة للنهوض بمستواهم العلمى إلا اهتبلوها ، ففى دراستهم يذا...

حب الوطن

الحمد لله رب العالمين ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله ربه بين يدى الساعة هاديا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد فإن حب الأوطان مركوز فى النفوس ، متخلل فى البدن مسلك الروح ، ينبض كل عرق بحبه ، ويشفى كل عليل بتربه . بلد لا نؤثر عليها بلدا ، ولا نصبر عنها أبدا ، هى عشنا الذى فيه درجنا ، ومنه خرجنا ، مجمع أسرتنا ، وملتقى أحبتنا ، بلد أنشأتنا تربته ، وغذانا هواؤه ، وربانا نسيمه. قال أبو إسحاق القيروانى : كان الناس يتشوقون إلى أوطانهم ولا يفهمون العلة فى ذلك حتى أوضحها على بن العباس الرومى فى قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار فقال : ولى وطن آليت ألّا أبيعه ... وألّا أرى غيرى له الدهر مالكا عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا فى ظلالكا وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا فقد ألفته النفس حتى...

حق الوطن والشهادة فى سبيله

  الحمد لله رب العالمين ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله ربه بين يدى الساعة هاديا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد فإننا لا نقيم فى أوطاننا ، وإنما تقيم فينا ، ولا نسكنها وإنما تسكن فينا ، ولا نعلم أبناءنا حبها ، ولم يعلمنا آباؤنا حبها ، بل إن حبها غريزة وفطرة فطر الله الخلق عليها لتعمر البلدان ، قالت الحكماء : عمر الله البلدان بحب الأوطان . وقال ابن الزبير : لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق . ولولا مامن الله على خلقه بحب الأوطان لما سكن أهل الغياض والأدغال فى الغمق واللثق ، ولما سكنوا مع البعوض والهمج ، ولما سكن قطان القلاع فى قلل الجبال ، ولما أقام أهل الأطراف فى المخاوف والتغرير ، ولالتمس الجميع السكنى فى الواسطة وبيضة العرب وفى دار الأمن والمنعة . ترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب ، والمحلِّ القفر ، والحجر الصلد ، وتستوخم الريف . وترى الحضرى يولد ...

مكانة النبى فى رحلة الإسراء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه . أمابعد فقد أبانت رحلة الإسراء والمعراج عن مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه عزوجل ، وهذا واضح لكل من تدبر هذه الرحلة المباركة من أولها إلى عودة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام . ولو نظرنا إلى ما قبل هذه الرحلة العظيمة سنرى أن الله عزوجل لم يترك النبى صلى الله عليه وسلم وحده يعانى ما يعانيه من صلف وصدود المشركين ، بل إن الله عزوجل كان ينزل الرحمات على قلب النبى حتى فى أقسى اللحظات . ففى الطائف حينما لقيه سفهاء الطائف بأقبح ما يلقى به قوم نبيا جاء ليأخذ بأيديهم إلى الله ، نرى أن الله عزوجل يمسح برحمته فؤاد النبى بنسمة مباركة تسرب النسيم إلى قلب النبى الذى عانى من هجير عنت المشركين ما لاقى ،وذلك فى انكباب عداس الغلام النصرانى على يد النبى ورجله يقبلهما وشهادته للنبى صلى الله عليه وسلم بأنه خير أهل الأرض . ثم ما حدث فى طريق العودة سريعا فى قرن الثعالب وقبل دخول النبى مكة حين أتى جبريل ومعه ملك الجبال يستأمر النبى صلى الله عليه وسلم فى قومه ، واستعداده لأن يطبق عليهم الأخشبين فيصبحوا أثرا بعد ع...

لماذا كانت رحلة الإسراء ؟

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه  أما بعد فإن رحلة الإسراء والمعراج كانت خارقة للعادة إلا أنها لما كانت خالية من دعوى التحدى لم تكن معجزة لخلوها من هذا الضابط ، فضابط المعجزة هو التحدى ، وهذا واضح فى القرآن الكريم تلكم المعجزة الخالدة ، التى اشتملت على تحدى القوم المبعوث إليهم أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله مفتريات أو بسورة من مثله ، فالقرآن كان معجزة الرسالة ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم تحدى الإنس والجن قاطبة أن يأتوا بمثله ، لكن معجزة الإسراء لم يتحدى بها النبى صلى الله عليه وسلم أحدا ، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر قومه لم يزد على قوله : إنى أسرى بى الليلة إلى بيت المقدس ، لم يزد النبى على ذلك ، فلم يطلب منهم أن يفعلوا كما فعل ، ولا أن يرسلوا جماعة ليفعلوا كما فعل ، فهى رحلة خالية من دعوى التحدى. فلماذا كانت إذن ؟  إذا لم يكن لها دور فى دعم الرسالة ودفع الناس إلى الإيمان فلماذا كانت ؟ لقد نص القرآن الكريم على الغرض من هذه الرحلة المباركة وذلك فى قوله تعالى ( لنريه من آياتنا ) ثم فى قوله تعالى فى سورة النجم ( ...