أجود من حاتم الطائى


 

 

الحمد لله رب العالمين ، حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليما كثيراً .

أما بعد

فما زلنا مع هذه السلسلة الماتعة ، سلسلة أخلاق العرب قبل الإسلام ، وقد تحدثنا فى اللقاء الماضى حول حاتم الطائى ، وأظنكم قد سحركم الحديث حول حاتم كما سحرنى ، ونال إعجابكم كما نال إعجابى ، حتى ربما قلتم  : إن هذا ضرب من الخيال ، أو أنَّ هذا رجل قد صنعه خيال الأدباء ، وقلتم : محال أن يكون مثل هذا الرجل قد وُجد فى هذه الأرض ، أو قد مرَّ بها يوما من الدهر .

لكنَّ هذا العجب سيزول حينما تعلمون أن حاتما لم يكن فريد عصره ، ولا واحد دهره ، وأن له ضُرباء ربما ساووه فى الكرم  ، وربما زاد بعضهم عليه ،  فحاتم كان وليد بيئة تتغنى بالكرم ، وتُجِلُّ الكرماء وتعظمهم ، ويفوح عبير الكرماء فى أرجائها ، فحيثما سرَّحت طرفك يمنة أو يسرة ستجد من الكرماء مالا يسعهم الحصر ، ولا يدخلون تحت العدِّ ، وهذا ماسنراه اليوم فى مقالتنا هذه .

ربما تعجب إذا قلت لك إننى سأبدأ الحديث اليوم بمن هو أكرم من حاتم الطائى ، وستقول لى كيف تدَّعى أنَّ هناك من هو أكرم من حاتم ، أبَعد ما حدَّثتنا عن كرمه الذى بلغ حد الإيثار ، بل بلغ حد أن يقول إنه إذا نزل به ضيف ولم يجد له قرى قطع له بعض أطرافه :

وإن لم أجد لنزيلى قرى *** قطعت له بعض أطرافيه

تريد منا أن نُصدِّقك فيما ذهبت إليه ، من أنَّ فى العرب مَن هو أكرم من حاتم ، ما أراك إلا هازلا غير جادِّ فيما تقول ، أو أنَّ قراءتك فى كتب الأدب والشعر قد جعلتك تحلِّق فى سماء الخيال وتركن إلى مبالغات الشعراء ، وخيالات الأدباء.

أقول لك يا صاحبى : لقد اتهمتنى بما أنا منه براء ، وهل بينى وبينك إلا أن أروى لك ما ذكره سادتنا الأدباء  فى كتبهم التى هى المرجع لهذه الحقبة من تاريخ أمتنا العربية ؟

أراك تقول مرغما : سلمت لك ، شريطة أن تسرد علىَّ مواقفهم دون أن تغالى فى مدحهم ، وأن تترك لى الحكم عليهم ، والإعجاب بهم أو عدم الإذعان لهذا الذى ذهبت إليه.

قلت  : لك ذلك ، فهلم نبدأ ، لأنَّ قارئنا الكريم ربما استثقل هذه المقدمة الطويلة وهذا الحوار المُملَّ ، فلنبدأ بحاتم وشهادته لغيره بأنه أكرم منه .

سأل رجل حاتما فقال : هل رأيت من هو أكرم منك ؟

قال حاتم : نعم غلام يتيم من طئ ، مررت بفنائه فدعانى ، فنزلت ضيفا عليه ، وكان له عشرة أرؤس من الغنم ، فلما صرت فى بيته ، ذبح لى شاة من غنمه ، وكان فيما قدمه لى الدماغ ، فاستطيبته ، فقلت : ماأطيب الدماغ ، فانسلَّ خفيفا من بين يدى ، وذبح شاة أخرى ثم قدَّم لى الدماغ ، فأكلته ، ثم جعل يصنع ذلك حتى أتى على غنمه كلها ، وأنا لا أعلم بما يفعله ، فلما قمت من عنده رأيت دماء كثيرة ، والشياة إلى جوارها ، فقلت ماهذا ؟ فقال : هذه غنمى . فقلت : ذبحتها كلها ؟ قال : نعم . قلت ما حملك على هذا ؟ قال : لأنك استطيبت الدماغ ، وما كنت لتستطيب شيئا ثم لا أقدمه لك ، فقال حاتم : أُلام على السخاء وهذا الفتى أسخى منى .

فقال له الرجل : فما كافأته ؟

قال حاتم : أعطيته ثلاث مائة رأس من الإبل ، وخمسمائة رأس من الغنم .

فقال الرجل : أنت أكرم منه .

فقال حاتم : بل هو أكرم منى ، لأنَّه جاد بكل مايملك ، وأنا جدت ببعض ما أملك .

فهذا فتى يتيم ، شهد له حاتم بأنَّه أكرم منه ، وكم فى الزوايا من خبايا ؟

فقال لى صاحبى : لا أستطيع أن أكتمك إعجابى بكرم هذا الفتى ، وعلو قدره ، ولا أستطيع أن أُخفى تعجبى من حرصك على تسجيل الفوز على ، وكأنك فى مباراة تريد أن تُسجِّل الفوز فيها .

فقلت لصاحبى : ماستراه بعد من كرم العرب قبل الإسلام سيجعلك أكثر إعجابا بهم منى ، حتى تقول معى :

ما أعظم هؤلاء ؟ لو أدركوا الإسلام لكان لهم شأن عظيم .

أُرجئ يا صاحبى وياسادتى القراء بقية الحديث للقاء قادم خشية السآمة عليكم ، ولأنَّ كثرة الحديث ينسى بعضه بعضا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مفهوم العرض والشرف

تيسير الميراث-المحاضرة الثانية

نشأة الشيخ الغزالى