ظالم أشبه بمظلوم

 مارأيت ظالماً أشبه بمظلوم من ولد عاق يعيش مقاطعاً لوالديه مخاصماً لهما لايحادثهما ولا يجالسهما ولا يضاحكهما ولا يمازحهما ولا يطلب رضا الله فى طاعتهما .

يزعم أنهما لايفهمانه أويمتنعان من تلبية رغباته ، يظن بهما الضن عليه ، والبخل بأسباب سعادته ، فيعيش محروماً من والديه وهما بين يديه ، ومن التلذذ بالنظر إليهما ومطالعة صفحة وجههما وليس دون ذلك قليل أوكثير ، حتى إذا ماتا تمنى نظرة إلى وجههما ، وودّ لوبذل فى سبيل ذلك كل مايملك ، وما إلى ذلك من سبيل ، يتحسر على مافاته من رضاهما وقد كان ذلك سهلا ميسورا ، ويبكى على مقاطعته لهما وقد كانت مواصلتهما لاتتطلب كثيرا ولا قليلا ، إذ أنّ أقل القليل منه كان سيرضيهما .

فلو رأيته بعد وفاتهما وقد أظلمت الدنيا فى عينيه ، وعلت الكآبة وجهه ، لقلت رجلا جهنميا رجع من الدار الآخرة ليخبر عن حال أهل العذاب ، أو معذباً قضى الله عليه بالعذاب منذ أن خلق إلى يوم موته ، فربما ترثى لحاله ، وتأخذك الشفقة عليه ، وربما تبكى لحاله،وتظنه مظلوماً وماهو بمظلوم ، وإنما هو ظالم ، وماتراه فى وجهه ليست دلائل ظلم وقع عليه ، وإنما هى آثار ظلمه لوالديه ، إن الكآبة التى تعلوا وجهه ليست وليدة اليوم ، وإنما هى الكآبة التى كانت تعلوا وجه والديه حزنا على موته رغم حياته ، والحزن الذى يعلوا محياه ليس لأنّ ظالماً قد اعتدى عليه ، لكن لأنَّ الحزن الذى كان يرتسم على وجه والديه قد انتقل إليه ، فورثه مع ماورث عنهما من مالٍ ومتاع .

ويل ٌ للآباء من الأبناء الذين لا يقدّرون حكمة الآباء ، ولايرون ضيق أسباب المعيشة فى أيديهم ، فهم يظنّون أنّ آباءهم يمنعونهم حقاّ مشروعاً لهم ، ويرون أنّ آباءهم يقفون حجر عثرةٍ فى سبيل سعادتهم ، ويضنّون عليهم بوسائل السعادة والرفاهية ، ولايعلمون أنّ الآباء يودُّ أحُدهم لو قطّع جسده إرباً فقسَّمه بين أبنائه ليرى البسمةَ تعلوا محيَّاهم ، وأنّه يودّ لوفقد حياته فى سبيل حياتهم ، وأنّه لو عرض لأحدهم عارضٌ من مرضٍ أوغيِره لتقطّع قلبُ والديه حزناً عليه ، يودُّون لو فدوه بأنفسهم ، يقول لسان حالهم ( روحنا لروحك الفداء ، ونفسنا لنفسك الفداء ) وأنّه يوم يبرأ من علّته ، ويبلُّ من مرضه لاتسعهم الدنيا فرحةً ، وأنَّ ابتسامته تنير الكون ، وأنَّ فرحته تجعل الدُّنيا تعزف أعذب الألحان .

ما أقسى قلوب الأبناء حين يُحمِّلون آباءهم مالا يطيقون ، ويكلِّفونهم مالا يستطيعون ، ويتمنَّون منهم مالا يكون ، ثم لايعذرون ، وياليتهم يعلمون أنَّ الآباء لو كانت النُّجوم فى أيديهم لنسجوا منها عقداً جميلاً زيَّنوا به صدور الأبناء ، ولو كانت الدُّنيا ملكاً لهم لبذلوها هيِّنة لأولادهم ، ولو أنَّ مفاتيح الجنَّةِ كانت بأيديهم لأدخلوا أبناءهم قبلهم .

لا تحلوا دنيا الآباء إلا بفرحة الأبناء ، ولا تزهر ورود ربيع الآباء إلاَّ بابتسامة الأبناء ، ولا طعم للقمة هنيئة يطعمها الآباء فى غياب الأبناء ، إذا أكل الأبناء شبع الآباء ، وإذا ضحك الأبناء فرح الآباء ، وإذا شُفى الأبناء دبَّت العافية ُ فى قلوب الآباء .

ألا فليعلم الأبناء أنَّ الآباء لايدَّخرون وُسعاً فى سبيل سعادتهم ، ولايُقصِّرون إلاَّ لضيق ذات اليد ، ولا يمتنعون إلاَّ ريثما يُعِدُّون .

يودُّ الآباء لو نزعوا أكبادهم ليحيا الأبناء .

جاءت امرأةَ مسكينة تسأل السيدة عائشة ومعها ابنتان لها فأطعمتها السيدة عائشة ثلاث تمرات ، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها ، فاستطعمتها ابنتاها ، فشقت التمرة التى كانت تريد أن تأكلها بينهما ، فأعجب السيدة عائشة شأنها فذكرت الذى صنعت لرسول الله فقال : إنَّ الله قد أوجب لها بها الجنَّة ، وأعتقها بها من النَّار       رواه مسلم

أرأيتم يامعشر الأبناء

إنَّ التى نزعت التَّمرة من فيها لقادرةٌ على أن تنزع بضعةً من كبدها لتمنحه لولدها راضيةً لوتطلَّب الأمر ذلك ،وتفعل ذلك .

أيها الأبناء : اطمئنُّوا وقروا عيناً

إنَّ الأم التى تنزع التَّمرة من فيها لتطعمها لأبنائها رغم حاجتها الماسَّة إليها لن تبخل على أبنائها بدريهماتٍ يطلبونها ترى سعادتهم فيها وهى تملكها ، وإنَّ الأب الذى يُمضى سحابةَ نهاره وشطراً من ليله سعياً وراء لقمة عيش يُطعمها لأبنائه لن يضن عليهم بجنيهات يتمنونها وهو يجد سبيلاً إليها .

لايمنع الآباءَ من العطيَّة للأبناء إلا ضيق ذات اليد ، ولو وجدوا لما منعوا .

إنَّ الأم التى ضرب بها رسول الله المثل ليقرِّب لأصحابه سعة رحمة الله ( فى الحديث المتفق عليه أنَّ النَّبى رأى امرأة فى السبى تسعى كلما وجدت صبيا أخذته فألصقته بثديها ترضعه فقال النَّبىأترون هذه طارحةً ولدها فى النَّار ؟ قلنا لا والله وهى تقدر ألا تطرحه ، فقال لله أرحم بعبادة من المرأة بولدها )

هذه الأم لن تمنع أبناءها مايشتهون وهى قادرة على أن تعطيه لهم ، لكنها قسوةُ الحياة وضيقُ ذات اليد .

فاطمئنوا وقرُّوا عيناً ولاتكلِّفوا آباءكم مالا يطيقون ، وعيشوا فى كنفهم راضين ، ومتعوا أعينكم بالنظر إليهم قبل أن تكون النظرة من أحدهما أغلى من ملء الأرض ذهباً ..... وهيهات أن تُقبَل .

                               كتبهُ

                     المعتزبالله الكامل محمدعلى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مفهوم العرض والشرف

تيسير الميراث-المحاضرة الثانية

نشأة الشيخ الغزالى