الإمام الشافعى ودوره التجديدى فى عصره
الحمدلله رب العالمين ، أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله ،
وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
تسليما كثيرا .
أما بعد :
فقد روى الإمام أبوداود فى سننه من حديث ابى
هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺقال :( إن
الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ).
روى الإمام
البيهقى فى مناقب الشافعى عن عبدالملك الميمونى قال كنت عند أحمد بن حنبل وجرى ذكر
الشافعى فرأيت أحمدبن حنبل يرفعه وقال روى عن النبى ﷺوذكرالحديث ثم قال : فكان عمربن عبدالعزيز على رأس المائة وأرجوأن يكون
الشافعى على رأس المائة الأخرى .
وروى مثل ذلك أيضا عن محمد بن على بن الحسين
رحمه الله عن بعض أصحابه.
فمن هو الإمام الشافعى رحمه الله ورضى عنه ؟
هوأبو عبدالله محمدبن إدريس بن العباس بن
عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبدمناف ، يتصل نسبه بنسب رسول الله ﷺفى عبدمناف .
وأسر جده السائب بن عبيد يوم بدر وفدى نفسه
ثم أسلم ، وقيل له لم لم تسلم قبل إعطاء الفداء ؟
فقال : ماكنت أحرم المؤمنين ماطمعوه فىّ .
وكان شبيه رسول الله فى الصورة والخلقة .
مولده :
ولد الإمام الشافعى رحمه الله سنة خمسين
ومائة وهى السنة التى توفى فيها الإمام أبوحنيفة رحمه الله ، وقيل: ولد فى نفس
اليوم الذى مات فيه الإمام أبوحنيفة رحمه الله .
قال الإمام البيهقى :هذا التقييد باليوم لم
أجده إلا فى بعض الروايات أما التقييد بالعام فمشهور بين أهل التواريخ .
وكان مولده بغزة وقيل بعسقلان .
ورأت أمه لما حملت به كأن المشترى (الكوكب
المعروف ) خرج من بطنها وانقض بمصر ثم وقع فى كل بلد منه شظيّة . فقال المعبرون :
إنه يخرج من بطنها عالم عظيم يكون علمه فى جميع بلاد الإسلام .
ولما أتم سنتين خافت أمه من ضياع نسبه لبعده
عن أهله فنقلته إلى مكة .
وهذا يدلنا على عقل والدة الإمام الشافعى فقد
كانت من أعقل النساء ، ذكر الإمام الفخر الرازى وغيره : أن أم الإمام الشافعى
احتاجت إلى الشهادة فى قضية هى وامرأة أخرى فأراد القاضى أن يفرق بينهما ليستوثق
من صدقهما فقالت والدة الإمام الشافعى : ليس لك ذلك . قال : ولم ؟ قالت لأن الله
عزوجل قال : (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) فأذعن القاضى .
فهذه المرأة العاقلة هى التى قامت بتربية
الإمام الشافعى لأنه نشأ يتيما .
فنقلته إلى مكة خوفا من ضياع نسبه .
وكان الإمام الشافعى فى أول الأمر فقيراً ،
ولما سلموه إلى المكتب ليحفظ القرآن ماكانوا يجدون أجرة المعلم ، فكان المعلم يقصر
فى التعليم ، إلا أن المعلم كان كلما علم صبيانه شيئاً كان الشافعى يتلفف هذا
الكلام ، ثم إذا قام المعلم من مكانه أخذ الشافعى يعلم الصبيان تلك الأشياء ،فنظر
المعلم فإذا الشافعى يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التى يطمعها منه ،فترك
طلب الأجرة ، فأتم الشافعى حفظ القرآن كمال سبع سنين .
ولما أتم حفظ القرآن انصرفت همته إلى طلب
العلم فانشغل بالعربية والشعر حتى وصل إلى منزلة عالية فيه ، قال الأصمعى رحمه
الله : قرأت ديوان الهذليين على شاب من شباب قريش يقال له : محمد بن إدريس الشافعى
، وورد عنه أيضاً أنه قال :قرأت شعر الشنفرى على محمد بن إدريس الشافعى .
وكفى بهذه منزلة .
وحكى المبرد عن المازنى أنه كان يقول : قول
محمد بن إدريس الشافعى حجة فى اللغة .
وقال الجاحظ : نظرت فى كتب هؤلاء النابغة ،
الذين نبغوا فى العلم فلم أر أحسن تأليفا من المطلبى (يعنى الشافعى ) كأن لسانه
ينظم الدر .
وقال ثعلب : الشافعى يجب أن تؤخذ منه اللغة .
وذكر الإمام الزمخشرى فى الكشاف عندقوله
تعالى (ذلك أدنى ألا تعولوا )
فنقل قول الإمام الشافعى فيها ثم قال : وكلام
مثل الشافعى – رضى الله عنه –وهومن أعلام العلم، وأئمة الشرع ،ورؤوس المجتهدين ،
حقيق بالحمل على الصحة والسداد .
فهذه شهادات الفحول من أئمة اللغة بتفوق
الشافعى ونبوغه فى اللغة ، ولا عجب فى ذلك فهو القائل عن نفسه كما ذكر الذهبى فى
السير : أقمت فى بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغاتها .
وأما
نبوغه فى الشعر فهو القائل :
ولولا أن الشعر بالعباد يذرى لكنت اليوم أشعر من لبيد
ظل الإمام الشافعى رحمه الله يطلب الشعر إلى
أن وقعت له حادثة غيرت مجرى حياته ، بل مجرى حياة الأمة ، حيث تحول الإمام الشافعى
بسببها إلى تعلم الفقه ، فكانت حادثة خير وبركة على الأمة كلها .
روى الإمام البيهقى فى المدخل عن مصعب بن عبدالله الزبيرى قال عن الشافعى : وكان
سبب أخذه فى الفقه أنه كان يوما يسير على دابة له ، وخلفه كاتب لأبى ، فتمثل
الشافعى ببيت شعر ، فقرعه كاتب أبى بسوطه ثم قال له : مثلك يذهب بمروءته فى مثل
هذا ، أين أنت عن الفقه ؟ فهزه ذلك ، فقصد لمجالسة الزنجى ابن خالد وكان مفتى مكة
.
وكان هذا بداية تحول الإمام الشافعى للفقه فلزم
مسلم بن خالد الزنجى حتى أذن له بالإفتاء قائلا : أفت يا أباعبدالله فقد والله آن
لك أن تفتى .
وكانت سنه يومئذ خمس عشرة سنة .
وكان الشافعى رحمه الله فقيرا لايجد مايكتب
عليه ، قال رحمه الله : كنت ما أجد ما أشترى به القراطيس فكنت آخذ العظم وأكتب فيه
، وأستوهب الظهور من أهل الديوان ( أى الأوراق المكتوبة المستغنى عنها ) وأكتب فى
ظهرها .
ثم
سمت همته للقاء الإمام مالك والأخذ عنه ، فاستعار كتاب الموطأ من رجل بمكة
وحفظه ، ثم دخل على والى مكة ، فأخذ منه كتاباً إلى والى المدينة ، فلما قدم
المدينة بلّغ الكتاب لوالى المدينة ، فقال والى المدينة : يافتى لو كلّفتنى المشى
من جوف المدينة إلى جوف مكة راجلاً حافياً كان أهون على من المشى إلى باب مالك .
ققلت : إن رأى الأمير أن يحضره . فقال : هيهات . ليتنا إذا ركبنا إليه ،ووقفنا على
بابه كثيراً فتح لنا الباب .
قال : ثم ركبت وذهبت معه إلى دار مالك فتقدم
رجل وقرع الباب ، فخرجت إلينا جارية سوداء ، فقال لها الوالى : قولى لمولاك إنى
بالباب ، فدخلت الجارية وأبطأت ثم خرجت فقالت : إن مولاى يقول : إن كان لك مسألة
فارفعها فى رقعة حتى يخرج إليك الجواب ،وإن كان المجئ لمهم آخر فقد عرفت يوم
المجلس فانصرِف .
فقال لها :قولى له : إن معى كتاب والى مكة فى
مهم ، فدخلت ثم خرجت وفى يدها كرسىّ فوضعته ، فإذا مالك شيخ طوال قد خرج وعليه
المهابة وهو متطيلس فدفع الوالى الكتاب إليه ، فلما بلغ إلى قوله : إن محمدبن إدريس
رجل شريف من أمره ومن حاله كذا وكذا رمى
الكتاب من يده ، وقال ياسبحان الله صار علم رسول الله ﷺبحيث يطلب بالوسائل !!
قال الشافعى :
فتقدمت إليه فقلت : أصلحك الله إنى رجل مطلبى من حالى وقصتى كذا وكذا ، فلما سمع
كلامى نظر إلىّ ساعة ، وكان لمالك فراسة ، فقال لى : مااسمك ؟ فقلت محمد ، فقال : يامحمد اتق الله ، واجتنب المعاصى
فإنه سيكون لك شأن من الشأن ، فقلت :نعم وكرامة .
فقال : إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا
فلا تطفئه بالمعصية .
ثم قال : إذا كان غدا تجئ بمن يقرأ لك الموطأ
، فقلت له : إنى أقرؤه من الحفظ .
ثم إنى رجعت له من الغد وابتدأت بالقراءة ،
فكلما أردت قطع القراءة خوفا من ملالته أعجبه حسن قراءتى فيقول : يافتى زد حتى
قرأته فى أيام يسيرة .
فلزم مالكا حتى توفى مالك رحمه الله ثم ذهب
إلى اليمن ، ثم دخل العراق وأقام فيها سنتين ، لقى فيها أصحاب أبى حنيفة ووقعت
بينهم مناظرات ، وصنف فيها كتابه القديم وسماه كتاب (الحجة) ثم خرج إلى مصر وأقام
بها إلى أن مات سنة أربعة ومائتين ، وكان عمره أربعا وخمسين سنة ودفن بالمقطم
.(رحمه الله تعالى )
ثناء العلماء عليه :
أثنى على الإمام الشافعى رحمه الله شيوخه
وأقرانه وتلاميذه .
قال مالك رحمه الله : ماأتانى قرشى أفهم من
هذا الفتى .
وقال يحيى بن سعيد القطان : أنا أدعوا
للشافعى فى صلاتى منذ أربعين سنة .
وقال محمدبن الحسن : إن تكلم أصحاب الحديث
يوما فبلسان الشافعى .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : مارأيت قط
رجلا أعقل ولا أورع ولا أفصح ولا أنبل من الشافعى .
وقال عبدالله بن أحمدبن حنبل : قلت لأبى : أى
رجل كان الشافعى فإنى سمعتك تكثر من الدعاء له ؟ قال : يابنى كان الشافعى كالشمس
للدنيا وكالعافية للأبدان فانظر هل لهذين من خلف ؟ أو عنهما من عوض ؟
دور الإمام الشافعى التجديدى :
كان للإمام الشافعى دور عظيم فى الفقه
الإسلامى وأصوله حيث خطا بالفقه الإسلامى خطوات واسعة نقلته إلى رحاب أوسع ، وثيتت
دعائمه ووضحت أسسه .
يتمثل منهج الإمام الشافعى التجديدى فى :
1- الرسالة العظيمة التى ألفها الإمام الشافعى فى
أصول الفقه ، والتى عرفت باسم الرسالة ، حيث كانت عبارة عن رسالة أرسلها الإمام
الشافعى إلى عبدالرحمن بن مهدى بناء على طلبه ، هذه الرسالة العظيمة التى قال عنها
الإمام المزنى : قرأت الرسالة خمسمائة مرة مامن مرة قرأتها فيها إلا وأستفيد فائدة
جديدة .
هذه الرسالة غدت أصلاً ومرجعاً لعلم أصول
الفقه ، وهى التى وضحت أصول الإستنباط والأدلة المعتبرة .
2- ردالناس إلى السنة بعد أن انقسموا إلى
معسكرين متباينين ، أصحاب الرأى , وأصحاب الحديث .
3- إدخاله لعلوم أخرى مساعدة لعلم الحديث :
حيث كان الفقهاء قبله يعتمدون على علم الحديث
فقط فأدخل الشافعى اللغة والشعر كعلوم مساعدة للفقيه .
4- تغير الإجتهاد بتغير الأحوال والبلاد :
وهذا واضح فى تغيير الإمام الشافعى لبعض
اجتهاداته حين دخل مصر وألف فيها مذهبه الجديد .
5- كلامه عن المسائل التى لم تقع بعد ,
واجتهاده فى بيان حكمها , وكان الفقه قبله مقصورا على الوقائع التى وقعت ، وكانوا
إذا سئلوا عن مسألة لم تقع قالوا دعوها
حتى تقع ، وقال فى الحديث الذى نهى فيه
النبى أصحابه عن السؤال (كانت المسائل فيما لم ينزّل إذكان الوحى
ينزل مكروهة)
فجعل النهى خاصا بزمن نزول الوحى خشية أن
ينتج عن السؤال تحريم شئ لم يكن محرما .
6- جمعه بين المدرستين السائدتين فى العالم الإسلامى فى مدرسة واحدة.
فقد كان الناس قبل زمان الشافعى فريقين: أصحاب الحديث، وأصحاب الرّأي. أما
أصحاب الحديث: فكانوا حافظين لأخبار رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إلا أنهم
كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أحدٌ من أصحاب الرأي سؤالًا أو
إشكالًا سقط في أيديهم ووقفوا متحيّرين.
وأما أصحاب الرأي: فكانوا أصحاب النظر والجدل، إلا أنهم كانوا عاجزين عن الآثار
والسنن، وأما الشافعي (رضي الله عنه): فكان عارفًا بسنّة رسول الله (صلى الله عليه
وسلم)، محيطا بقوانينها، وكان عارفا بآداب النظر والجدل قويّا فيه، وكان فصيح
الكلام، قادرًا على قهر الخصوم بالحجّة الظاهرة، وآخذا في نصرة حديث رسول الله
(صلى الله عليه وسلم)، وكل من أورد عليه سؤالًا أو إشكالًا أجاب عنه بأجوبة شافية
كافية، فاجتمعت المدرستان فى شخصه رحمه الله .
الحديث عن الإمام الشافعى لاينقضى ، ولكن
حسبنا ماسقناه
هذا ماتيسر إعداده وتهيأ إيراده .
والحمد لله أولا وآخرا.
كتبه
المعتزبالله
الكامل
تعليقات
إرسال تعليق